عقيدة السلف في الصفات: معنى قولهم (أمروها كما جاءت)
    
الخميس 19 / شوال / 1430 هـ - الموافق 8 / أكتوبر / 2009 م

المقال باللغة الانجليزية


عقيدة السلف في الصفات:
معنى قولهم "أمروها كما جاءت"


إعداد: أم عبد الله الميساوي
أُعِدّ لموقع: عقيدة السلف الصالح



بسم الله الرحمن الرحيم


مقدمة:
وردت عدة آثار صحيحة عن السلف الصالح في أحاديث الصفات بأنها " تُمر كما جاءت بلا كيفَ "، وعن بعضهم بأن "قراءته تفسيره"، ولكن ما معنى أقوالهم هذه؟
سيتبين الجواب عن هذا السؤال في هذا المقال إن شاء الله تعالى.


ذكر بعض هذه الآثار:

- سفيان بن عيينة (198 هـ) : قال أحمد بن نصر: سألت سفيان بن عيينة قلت:
"يا أبا محمد أريد أسألك"، قال : "لا تسأل"،
قلت: "إذا لم أسألك فمن أسأل"، قال: "سل."
قلت: "ما تقول في هذه الأحاديث التي رويت نحو : القلوب بين أصبعين، وأن الله يضحك أو يعجب ممن يذكره في الأسواق؟"
فقال: «أمروها كما جاءت بلا كيف (1) سنده صحيح.
وقال في رواية: «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثل » (2)
وفي لفظ: «كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه.» (3)

- الأوزاعي (157 هـ)
- سفيان الثوري (161 هـ)
- الليث بن سعد (175 هـ)
- مالك بن أنس (179 هـ)

قال الوليد بن مسلم: سألتُ الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الاحاديث التي فيها الصفة والرؤية والقرآن فقال: "أمروها كما جاءت بلا كيف." (4)
وفي رواية: " سألت سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي في الرؤية والصفات قال : أمروها على ما جاءت، ولا تفسروها." (5)

- أحمد بن حنبل (241 هـ) : قال أبو بكر المروذي: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات، والرؤية، والإسراء، وقصة العرش، فصححها أبو عبد الله، وقال : « قد تلقتها العلماء بالقبول، نسلم الأخبار كما جاءت، قال : فقلت له : إن رجلا اعترض في بعض هذه الأخبار كما جاءت، فقال : «يجفى»، وقال: «ما اعتراضه في هذا الموضع، يسلم الأخبار كما جاءت.» (6)
- وقال عبد الله: سألت أبي (الإمام أحمد بن حنبل) رحمه الله عن قوم يقولون: لما كلم الله عز وجل موسى لم يتكلم بصوت. فقال أبي: بلى إن ربك عز وجل تكلم بصوت، هذه الاحاديث نرويها كما جاءت. (13)


- قال أبو عيسى الترمذي (279 هـ) : «وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم روايات كثيرة مثل هذا ما يُذكر فيه أمرُ الرؤية أن الناس يرون ربهم وذِكرُ القَدَم وما أشبه هذه الأشياء. والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وابن المبارك، وابن عيينة، ووكيع وغيرهم أنهم رَوَوا هذه الأشياء، ثمَّ قالوا: " تُرْوى هذه الأحاديث ونؤمن بها، ولا يُقالُ: كَيفَ ؟، وهذا الذي اخْتَاره أهل الحديث أن يَرْووا هذه الأشياء كما جاءت ويؤمن بها ولا تُفسر ولا تتوهَّمُ ولا يُقالُ: كيفَ، وهذا أمرُ أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه. ومعنى قوله في الحديث "فيعرفهم نفسه" يعني يتجلى لهم.» (7)

وقال ابن أبي عاصم (ت. 287 هـ) : "ومما اتفق أهل العلم على أن نسبوه إلى السنة: ... وإثبات رؤية الله عز وجل، يراه أولياؤه في الآخرة، نظر عيان، كما جاءت الأخبار." (14)



معناها:

يتضح معنى قولهم «أمروها كما جاءت» بما ورد في هذه الآثار التي تُبيّن إثباتهم للمعنى الظاهر قولا واحدًا، فقد ورد في عدد منها ذكر أحاديث الرؤية مع أحاديث الصفات أو ذكرها منفردة،؛ وأحاديث الرؤية واضحة مفهومة المعنى، كان السلف الصالح يؤمنون بها على ظاهرها وهو رؤية الله عز وجل في الآخرة بأبصارهم عيَانًا من غير تكييف (18)، وقد نقلنا الآثار الصحيحة في ذلك عنهم -رحمهم الله- في مقال "رؤية الله عز وجل".
وقال هذه العبارة الإمام أحمد في حديث الصوت كما تقدم، حيث صرح بأن معنى الحديث على ظاهره، وهو أن الله عز وجل تكلم بصوت.
وكذلك في أثر الإمام أحمد عندما قال له أبو بكر المروذي: "إن رجلا اعترض في بعض هذه الأخبار كما جاءت"، فلو كان معنى "أمروها كما جاءت" تعني فقط الإيمان باللفظ دون أي معنى يُفهم منه لما كان هناك مجال
للاعتراض، ولكن لأن معناها الإيمان بها على ظاهرها اعترض بعض الجهلة على ذلك لظنهم أن اعتقاد ظاهرها يعني التشبيه، وهو ليس كذلك.

ومعنى قولنا: «المعنى الظاهر» أو «على ظاهرها» أي: على المعنى الظاهر الواضح من السياق (17). وما يلي بعض الأمثلة التي توضح المقصود:
مثال 1 : "وأنا في أفريقيا شاهدت أسدًا وهو ينقض على فريسته."
هنا ظاهر الكلام أن الأسد الذي انقض على فريسته هو الحيوان المعروف.
مثال 2 : " كان خالد في ساحة القتال أسدًا."
ظاهره أن المقصود هو الشجاعة وليس الحيوان.

فهذا هو منهج السلف مع نصوص الصفات كقوله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص : 75]
فأمَرّ السلف هذه الآية على ظاهرها وهو أن الله عز وجل خلق آدم بيديه التي هي صفة له، وآمَنوا بأن لله يدين تليق بجلاله لا تشبه أيدي المخلوقات.

ويؤيد صحة ما ذهبنا إليه ما قاله الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله: « كـل شيء وصف الله به نفسه في كتابه...» فلم يستثن رحمه الله أي صفة وردت في القرآن الكريم؛ إذًا كلامه يشمل كل صفة مذكورة في القرآن الكريم ولا يحتمل المقام التفريق بين صفة وأخرى لهذا قال بعض المحققين: «القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر» أي لا مجال للتفريق في حكم الإيمان بين صفة العلم واليد، بل كلها تُساق مساقًا واحدا وهو إثبات المعنى الظاهر المفهوم وتفويض الكيفية إلى الله عز وجل. ومن الصفات المذكورة في القرآن الكريم: الحياة، والعلم، والسمع، والإرادة، والبصر، والقوة والكلام، والرحمة، والوجه، والغضب، واليدين، وغير ذلك كثير، ولا شك أن السلف الصالح أثبتوا صفة الحياة والعلم والإرادة وغيرها على معناها الظاهر من غير تمثيل ولا تكييف، فعلى هذا فإن كل صفة أخرى ذُكرت في القرآن الكريم تأخذ نفس الحكم, و من فرّق في الإيمان بين صفة وأخرى فهذا محض تحكّم وهوى لا دليل عليه من الكتاب أو السنة أو أقول سلف الأمة.

وبهذا التفصيل يتضح معنى قولهم " تُمر كما جاءت" و" قراءته تفسيره" : أي على ظاهرها من غير تأويل ولا تحريف ولا تمثيل ولا تكييف



ومما يؤكد ذلك تفسير العلماء السابقين لها:

قال أبو منصور الأزهري (282 - 370 هـ) - بعد ذكر حديث أن جهنم تمتلئ حتى يضع الله فيها قدمه- : (وأخبرني محمد بن إسحاق السعدي عن العباس الدُّورِي أنه سأل أبا عبيدٍ عن تفسيره وتفسير غيره من حديث النزول والرؤية فقال: "هذه أحاديث رواها لنا الثقاتُ عن الثقات حتى رفعوها إلى النبي عليه السلام؛ وما رأينا أحدًا يفسرها، فنحن نؤمن بها على ما جاءت ولا نفسرها." أراد أنها تترك على ظاهرها كما جاءت. (8)

وقال أبو سليمان الخطابي (ت. 388 هـ) في حديث النزول: (هذا الحديث وما أشبهه من الأحاديث في الصفات كان مذهب السلف فيها الإيمان بها، وإجراءها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها.) ثم ذكر آثار السلف التي فيها "أمروها كما جاءت." (9)

وقال أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني (ت. 535 هـ)، وقد سُئل عن صفات الرب تعالى فقال: (مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد ابن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه، أن صفات الله التي وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله، من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه، إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: «كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره» ثم قال: أي هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل.) (10)

وقال الذهبي (ت. 748 هـ) : (وكما قال سفيان وغيره "قراءتها تفسيرها"، يعني أنها بينة واضحة في اللغة، لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف. وهذا هو مذهب السلف مع إتفاقهم أيضا أنها لا تُشْبِه صفات البشر بوجه إذ الباري لا مثل له لا في ذاته ولا في صفاته.) (11)


إضافة إلى أقوال أخرى للسلف والعلماء المتقدمين والمتأخرين في بيان عقيدة السلف الصالح، والتي سيُفرد لها مقال إن شاء الله.



معنى قول الإمام أحمد: "بلا كيف ولا معنى"

ورد أثر عن الإمام أحمد رحمه الله فيه أنه قال: « الأحاديث التي تُروى "إن الله تبارك وتعالى ينزل إلى سماء الدنيا"، و«الله يُرى»، وأنه يضع قدمه، وما أشبه بذلك، نؤمن بها، ونصدق ولا كيف، ولا معنى، ولا نرد شيئا منها ...» إلخ

وعلى القول بصحة هذه الرواية فإن معنى قوله رحمه الله: "ولا معنى" أنه لا معنى إلا ما ورد في ظاهر النص، ومما يدل على ذلك أنه ورد في لفظٍ آخر لهذه الرواية عند ابن بطة في كتابه "الإبانة الكبرى"، وعند ابن قدامة في كتابه "تحريم النظر في كتب الكلام" أنه قال: "بلا كيف ولا معنى إلا على ما وصف به نفسه تعالى."
ويدل على ذلك أيضا أن الإمام أحمد ذكر من ضمن الأحاديث حديث الرؤية، وهي من الأحاديث التي يثبتها السلف الصالح على ظاهرها من غير تكييف، ولا يؤمنون بمجرد لفظها دون معنًا يُفهم منه. وقد صرح الإمام أحمد في قول آخر له بالإيمان بحديث الرؤية على ظاهره، فقال:
«والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم من الأحاديث الصحاح، وأن النبي صلى الله عليه و سلم قد رأى ربه، وأنه مأثور عن رسول الله صلى الله عليه و سلم صحيح، رواه قتادة عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس، والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره ولا تناظر فيه أحدا.» (12)

ومما يؤكد ذلك أن الإمام أحمد رحمه الله قال مثل عبارة: "أمروها كما جاءت" في غير أحاديث الصفات، ولا يُعقل أن يقصد تفويض المعنى، من تلك الآثار:

- سُئِل الإمام أحمد عن قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: ”من كنت مولاه فعلي مولاه“ ما وجهه؟ قال: «لا تكلم في هذا، دع الحديث كما جاء. » (15)
- قال أبو بكر المروذي: سألتُ أبا عبد الله (الإمام أحمد) عن قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: ”أنت مني بمنزلة هارون من موسى“ ايش تفسيره؟ قال: «أسكت عن هذا، لا تسأل عن ذا، الخبر كما جاء. » (16)


والحمد لله رب العالمين




للسـؤال أو التعليـق على المقـال



مواضيع ذات صلة:
- مقدمـة في عقيدة السلف الصالح في الصفات
- رؤيـة الله عز وجل
- عقيدة السلف في الصفات: قولهـم « بلا كيف»
- ما هو التشبيه في صفات الله ؟





(1) مراسيل أبي داود (ص 182) تحقيق: عبد الله الزهراني - دار الصميعي؛ والصفات للدارقطني (ص71)؛ والعلو للعلي الغفار للذهبي (ص156) ؛ سير أعلام النبلاء (ج8 ص467)
(2) كتاب الصفات للدارقطني (ص70)؛ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (ج3 ص431)
(3) عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني (ص68)؛ الأسماء والصفات للبيهقي (ج2 ص158 و307)
(4) علل ابن أبي حاتم (ج5 ص468) عن أبيه عن الهيثم بن خارجة.
(5) معجم ابن المقرئ (ص111)
عقيدة السلف أصحاب الحديث للصابوني (ص69)
سير أعلام النبلاء للذهبي (ج 8 / ص 162) من طريق أبي بكر الخلال؛ والشريعة للأجري (ج3 ص1146)، وفيهما أنه سألهم عن أحاديث الصفات.
كتاب الصفات للدارقطني (ص75) ولفظها: "عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك فقالوا : "أمضها بلا كيف."
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (ج3 ص503) ولفظها: "عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية فقالوا: أمروها بلا كيف."
(6) السنة لأبي بكر الخلال (ج1 ص247) بسند صحيح، قال: "حدثنا أبو بكر المروذي.." وذكره ؛ والشريعة للآجري (ج3 ص1154)؛ وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (ج1 ص138)
(7) الجامع الكبير للترمذي المعروف بـ"سنن الترمذي" (ج4 ص318)
(8) تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري (ج9 ص45-46)
(9) الأسماء والصفات للبيهقي (ج2 ص377)
(10) العلو للعلي الغفار للذهبي (ص263)؛ وكتاب العرش له (ج2 ص359-360)
(11) العلو للعلي الغفار (ص251)
(12) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (ج1 ص157-158) بسنده؛ وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى بسنده (ج2 ص172 و173).
(13) كتاب السنة لعبد الله بن أحمد (ج1 ص280)؛ والرد على من قال القرآن مخلوق للنجاد (ص31) رواه عن عبد الله ابن الإمام أحمد.
(14) كتاب السنة لابن أبي عاصم (ج1 ص1028)
(15)السنة لأبي بكر الخلال (ج2 ص346) بسند صحيح.
(16) السنة للخلال (ج2 ص347) سنده صحيح.
(17) قال ابن قدامة في "روضة الناظر": «الظاهر: وهو ما يسبق إلى الفهم منه عند الإطلاق معنى، مع تجويز غيره، وإن شئت قلت: ما احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر، فحكمه أن يصار إلى معناه الظاهر، ولا يجوز تركه إلا بتأويل، والتأويل صرف اللفظ عن الاحتمال الظاهر إلى احتمال مرجوح به لاعتضاده بدليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر.»
وقال في "ذم التأويل": «وظاهر اللفظ هو ما يسبق إلى الفهم منه حقيقة كان أو مجازًا، ولذلك كان ظاهر الأسماء العرفية المجاز دون الحقيقة كاسم الراوية والظعينة وغيرهما من الأسماء العرفية، فإن ظاهر هذا المجاز دون الحقيقة، وصرفها إلى الحقيقة يكون تأويلا يحتاج إلى دليل، وكذلك الألفاظ التي لها عرف شرعي وحقيقة لغوية كالوضوء والطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج، إنما ظاهرها العرف الشرعي دون الحقيقة اللغوية»
(18) التكييف هو الكلام والخوض في كيفية الصفة.



صفحات الموقع

آخر المقالات

قائمة الأقسام الرئيسية

نموذج البحث



  

حقوق الطبع والنشر محفوظة لكل مسلم 1430 ﮬ - 2009 م