السنة لأبي منصور معمر بن أحمد الأصبهاني ( 418 هـ)
    
الجمعة 16 / شعبان / 1430 هـ - الموافق 7 / أغسطس / 2009 م


أبو منصور معمر بن أحمد بن زياد الأصبهاني
(418 هـ)



قال أبو منصور معمر بن أحمد بن محمد بن زياد الأصبهاني، شيخ الصوفية (1) في زمانه، المتوفي سنة 418 هـ :


«ولما رأيت غربة السنة، وكثرة الحوادث واتباع الأهواء أحببت أن أوصي أصحابي وسائر المسلمين بوصية من السنة وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر
وأهل المعرفة والتصوف من السلف المتقدمين
والبقية من المتأخرين
فأقول وبالله التوفيق:

إن السنة الرضى بقضاء الله، والتسليم لأمر الله، والصبر على حكم الله، والأخذ بما أمر الله، والنهي عما نهى الله عز وجل عنه.
وإن الإيمان قول وعمل ونية وموافقة السنة، يزيد بالطاعة وينقض بالمعصية.
وإن القدر خيره وشره وحلوه ومره وقليله وكثيره ومحبوبه ومكروهه من الله عز وجل، وإن ما أصابني لم يكن ليخطئني، وإن ما أخطأني لم يكن ليصيبني، فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة.
وإن القرآن كلام الله عز وجل، ووحيه وتنزيله، تكلم به وهو غير مخلوق، منه بدا وإليه يعود، ومن قال: إنه مخلوق فهو كافر بالله جهمي، ومن وقف في القرآن فقال: "لا أقول: مخلوق ولا غير مخلوق" فهو واقفي جهمي، ومن قال: "لفظي بالقرآن مخلوق"، فهو لفظي جهمي، ولفظي بالقرآن وكلامي بالقرآن وقراءتي وتلاوتي للقرآن قرآن، والقرآن حيثما تلي وقرئ وسمع وكتب وحيثما تصرف فهو غير مخلوق.
وإن أفضل الناس وخيرهم بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي الرضا - رضي الله عنهم - أجمعين، فإنهم الخلفاء الراشدون المهديون، بويع كل واحد منهم يوم بويع، وليس أحد أحق بالخلافة منه.
وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شهد للعشرة بالجنة، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح - رضي الله عنهم -
وأن عائشة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله مبرأة من كل دنس، طاهرة من كل ريبة، فَرَضِيَ الله عنها، وعن جميع أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمهات المؤمنين الطاهرات.
وأن معاوية بن أبي سفيان كاتب وحي الله وأمينه، ورديف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخال المؤمنين - رضي الله عنه -.
وأن الله عز وجل استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، فالاستواء معقول، والكيف فيه مجهول، والإيمان به واجب، والإنكار له كفر، وأنه جل جلاله مستو على عرشه بلا كيف، وأنه جل جلاله بائن من خلقه والخلق بائنون منه، فلا حلول ولا ممازجة ولا اختلاط ولا ملاصقة لأنه الفرد البائن من خلقه، الواحد الغني عن الخلق.
علمه بكل مكان، ولا يخلو من علمه مكان، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، يعلم ما تجنه البحور وما تكنه الصدور {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام : 59]
وأن الله عز وجل سميع بصير، عليم خبير، يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكاً، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف يشاء، فيقول : هل من داع فاستجيب له ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من نائب فأتوب عليه ؟ حتى يطلع الفجر.
ويرون الرب عز وجل يوم القيامة عياناً لا يشكون في رؤيته، ولا يختلفون ولا يمارون كذلك. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ”إنكم سترون ربكم عز وجل كما ترون القمر ليلة البدر لا تضارون في رؤيته“. قال الله عز وجل : {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة : 22، 23]
وإن عذاب القبر حق، وضغطة القبر حق، وأن منكراً ونكيراً هما ملكان يأتيان الناس في قبورهم يسألان عن ربهم، وعن دينهم ونبيهم -صلى الله عليه وسلم- {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم : 27]
وأن الحوض حوض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حق، ما بين طرفيه كما بين عدن إلى عمان، أباريقه عدد نجوم السماء، وماؤه أحلى من العسل وأشد بياضاً من اللبن، من شرب منه لا يظمأ أبداً
وأن الشفاعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حق، وكذلك شفاعة الأنبياء والملائكة والعلماء والشهداء.
وأن الصراط حق، وهي قنطرة بين ظهراني جهنم لابد من جوازها، وهي دحض مزلة، عليها كلاليب وخطاطيف وحسك، قال الله عز وجل: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم : 71 ، 72]
وأن الميزان حق له لسان وكفتان يوزن به أعمال العباد {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} [الأعراف : 8 ، 9]
وأن الصور حق وهو قرن ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام، وهما نفختان نفخة الصعق ونفخة البعث، قال الله عز وجل: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر : 68]
وأن قوماً يخرجون من النار يخرجهم الله برحمته، فيلقيهم في نهر على باب الجنة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل بعدما امتحشوا فصاروا حمماً، ثم يدخلهم الله الجنة حتى لا يبقى في النار من كان في قلبه مثقال حبة أو ذرة من إيمان.
وأن الجنة والنار خلقهما الله عز وجل للثواب والعقاب ولا تفنيان أبداً خلقهما قبل خلق الخلق ثم خلق الخلق لهما، وأن الله عز وجل قبض قبضة بيمينه فقال: ”هؤلاء في الجنة برحمتي ولا أبالي، ثم قبض قبضة أخرى فقال: هؤلاء في النار ولا أبالي“ ومن قال: إن الجنة والنار كتب الله عليهما الفناء فقد كفر بأربع آيات من كتاب الله عز وجل
وأن الله عز وجل خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته
وأنه عز وجل اتخذ إبراهيم خليلاً، وكلم موسى تكليماً، واتخذ محمداً -صلى الله عليه وسلم- حبيباً قريباً.
وأن الدجال ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها حق وصدق
وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- عرج بروحه وبدنه في ليلة واحدة إلى السماء، فرأى الجنة والنار والملائكة والأنبياء صلوات الله عليهم، وأسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به، فرأى ربه عز وجل بعينه وقلبه فكان قاب قوسين أو أدنى، قال الله عز وجل: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم : 17].
ثم من السنة الانقياد للأمراء والسلطان بأن لا يخرج عليهم بالسيف وإن جاروا، وأن يسمعوا له وأن يطيعوا وإن كان عبداً حبشياً أجدع. ومن السنة الحج معهم، والجهاد معهم، وصلاة الجمعة والعيدين خلف كل بر وفاجر .
ومن السنة السكوت عما شجر بين أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونشر فضائلهم والاقتداء بهم، فإنهم النجوم الزاهرة رضي الله عنهم ثم الترحم على التابعين والأئمة والسلف الصالحين رحمة الله عليهم.
ثم من السنة ترك الرأي والقياس في الدين، وترك الجدال والخصومات وترك مُفاتحة القدرية وأصحاب الكلام وترك النظر في كتب الكلام وكتب النجوم.

فهذه السنة التي اجتمعت عليها الأئمة، وهي مأخوذة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأمر الله تبارك وتعالى قال الله عز وجل: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [المائدة : 92] وقال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء : 80]، وقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر : 7] فأمر الله عز وجل بالبلاغ فقال : {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة : 67] فبلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الرسالة، ودعا إلى الله عز وجل بالكتاب والسنة فأمر الناس باتباع الصحابة العالِمين بالله، وأولي الأمر من العلماء من بعدهم لقول الله عز وجل : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء : 59].
فأفضل العلماء بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم من أولي الأمر :
أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم، ثم الأكابر فالأكابر من العشرة وغيرهم من الصحابة الذين أبان رسول الله -صلى الله عليه وسلم فضائلهم، وأمر بالإقتداء بهم، فقال -صلى الله عليه وسلم: ”اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر“. وقال عليه السلام: ”أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديهم اهتديت“.
فأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- السنة عن الله عز وجل، وأخذ الصحابة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم، وأخذ التابعون عن الصحابة الذين أشار إليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالاقتداء بهم
ثم أشار الصحابة إلى التابعين بعدهم مثل: سعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، والأسود، والقاسم، وسالم، وعطاء، ومجاهد، وقتادة، والشعبي وعمر ابن عبد العزيز والحسن البصري ومحمد بن سيرين ثم من بعدهم مثل أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وسليمان التيمي وابن عون
ثم مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والزهري، والأوزاعي، وشعبة، ثم مثل يحيى ابن سعيد، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، والفضيل بن عياض، وسفيان بن عيينة، ثم مثل أبي عبد الله محمد ابن إدريس الشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح وابن نمير، وأبي نعيم، والحسن بن الربيع، ثم من بعدهم مثل أبي عبد الله أحمد ابن حنبل وإسحاق بن راهويه، وأبي زرعة الرازي، وأبي مسعود الرازي وأبي حاتم الرازي، ونظرائهم مثل من كان من أهل الشام، والحجاز، ومصر، وخراسان، وأصبهان، والمدينة، مثل محمد بن عاصم، وأسيد بن عاصم، وعبد الله ابن محمد بن النعمان، ومحمد بن النعمان، والنعمان بن عبد السلام رحمة الله عليهم أجمعين
ثم من لقيناهم وكتبنا عنهم العلم والحديث والسنة مثل: أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمزة، وأبي القاسم الطبراني، وأبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر أبي الشيخ، ومن كان في عصرهم من أهل الحديث، ثم بقية الوقت أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى ابن منده الحافظ رحمه الله.
فكل هؤلاء سرج الدين، وأئمة السنة، وأولوا الأمر من العلماء، فقد اجتمعوا على جملة هذا الفصل من السنة، وجعلوها في كتب السنة، ويشهد لهذا الفصل المجموع من السنة كتب الأئمة، فأول ذلك:
كتاب السنة عن عبد الله بن أحمد بن حنبل
وكتاب السنة لأبي مسعود وأبي زرعة وأبي حاتم
وكتاب السنة لعبد الله بن محمد بن النعمان
وكتاب السنة لأبي عبد الله محمد ابن يوسف البنا الصوفي رحمهم الله أجمعين.
ثم كتب السنن للمتأخرين مثل أبي أحمد العسال، وأبي إسحاق إبراهيم ابن حمزة الطبراني، وأبي الشيخ، وغيرهم ممن ألفوا كتب السنة، فاجتمع هؤلاء كلهم على إثبات هذا الفصل من السنة، وهجران أهل البدعة والضلالة والإنكار على أصحاب الكلام والقياس والجدال وأن السنة هي إتباع الأثر والحديث والسلامة والتسليم
والإيمان بصفات الله عز وجل من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، ولا تأويل فجميع ما ورد من الأحاديث في الصفات: مثل أن الله عز وجل خلق آدم على صورته، ويد الله على رأس المؤذنين، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، وأن الله عز وجل يضع السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، وسائر أحاديث الصفات، فما صح من أحاديث الصفات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اجتمع الأئمة على أن تفسيرها قراءتها، قالوا: "أمروها كما جاءت"، وما ذكر الله في القرآن مثل قوله عز وجل : {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامُِ} [البقرة : 210] وقوله عز وجل: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر : 22]. كل ذلك بلا كيف ولا تأويل نؤمن بها إيمان أهل السلامة والتسليم، ولا نتفكر في كيفيتها، وساحة التسليم لأهل السنة والسلامة واسعة بحمد لله ومنه، وطلب السلامة في معرفة صفات الله عز وجل أوجب وأولى، وأقمن وأحرى، فإنه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى : 11]، (فليس كمثله شيء) ينفي كل تشبيه وتمثيل، (وهو السميع البصير) ينفي كل تعطيل وتأويل.

فهذا مذهب أهل السنة والجماعة والأثر، فمن فارق مذهبهم فارق السنة، ومن اقتدى بهم وافق السنة، ونحن بحمد الله من المقتدين بهم، المنتحلين لمذهبهم، القائلين بفضلهم، جمع الله بيننا وبينهم في الدارين، فالسنة طريقتنا، وأهل الأثر أئمتنا، فأحيانا الله عليها وأماتنا برحمته إنه قريب مجيب.»
(2)



(1) الصوفية المتبعين للسنة، فليس كل الصوفية سواء، منهم المتبع للسنة، ومنهم المبتدع، ومنهم الزنديق.
(2) الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم إسماعيل الأصبهاني (ج1 ص231-244)، قال: "أخبرنا أحمد بن عبد الغفار بن أشتة، أنا أبو منصور معمر بن أحمد قال: ... " وذكره.



صفحات الموقع

آخر المقالات

قائمة الأقسام الرئيسية

نموذج البحث



  

حقوق الطبع والنشر محفوظة لكل مسلم 1430 ﮬ - 2009 م