الإغاثة في بيان ملخص حكم الاستغاثة
    
الأربعاء 23 / رمضان / 1431 هـ - الموافق 1 / سبتمبر / 2010 م


الإغاثة في بيان ملخص حكم الاستغاثة


كتبه: أبو القاسم المقدسي



الحمد لله الذي منّ على المؤمنين فجعل دعاءهم إياه عبادة، وتفضل عليهم فأكرمهم مع ذلك بتعجيل الإجابة أو تأجيل الرّفادة، والصلاة والسلام على من حصر الله في اتباعه السعادة، وآله وصحبه أهل الفضل والريادة.

اعلم- أخي المسلم- أن المنكر إذا فشا في الناس وتعاظم وإن كان من قبيل الصغائر، فإن الصالحين يشملهم غضب الله إن هم استمرؤوا عدم الإنكار عليهم، فكيف إذا كان من جنس الكبائر، أو جنس أكبر الكبائر؟!
ثم اعلم أن انتشار الفساد لا يزيد أهل الإيمان إلا تشبثا بدينهم وعقيدتهم تحقيقا لسنة الله في المدافعة بين الحق والباطل، وتصديقا لسنة أبي القاسم -صلى الله عليه وسلم- في صفة أهل الغربة، وأنه يأتي على الناس زمانٌ القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال :
قال رسول الله صى الله عليه وسلم: ”بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء“ وزاد أحمد في مسنده:
قيل: "يا رسول الله من الغرباء؟" قال: ”الذين يصلحون إذا فسد الناس.“
وقال الفضيل بن عياض: «عليك بطريق الحق ولا تستوحش من قلة السالكين وإياك وطريق الباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين.»

وإليك أخي التذكرة فخذها بقوة تنفعْك في الآخرة:-

أولا: بيان أن الدعاءَ : عبادة
بيّن الله ذلك في آيات كثيرة جدًا، منها قوله تعالى: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر : 60] وكان يمكن أن يقول (إن الذين يستكبرون عن دعائي) كما هو مقتضى صدر الآية، فلما استبدل بقوله "دعائي" قولَه {عبادتي} دل أنه جعل "الدعاء هو العبادة"، وهذا عين ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أصلا من حديث النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ”الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ“ ثُمَّ قَرَأَ {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [رواه الترمذي بإسناد صحيح]
وذلك نظير قول القائل: " تفضّل علي بالزيارة ,إنك إن أبيت صلتي أغضبْ "،فجعل الزيارة هي الصلة.

ثانيا:
إذا تقرر ذلك – وهو جلي جدًا- فإنك إن قصدت أحد المخلوقين مهما عظم شأنه ولو كان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وقرأت حاجتك بين يدي قبره، كأن تطلب زيادة رزق، أو تفريج كرب، أو تستشفي، أو تشكو هما، بِنيّة أن يخلصك منه، ولو دون طلب صريح، فقد صرفت شيئا من العبادة لغير الله تعالى، ولذلك قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأعراف : 194] فدلت هذه الآية على أن من يحتج قائلا: "دعوناهم وجاءت الإجابة" على معاندة الرب الجليل، ومعارضة تحديه، ولم يعرف المسكين أن الله يستدرجهم ويفتنهم بتحقيق الإجابة، كما قال سبحانه {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف : 5].
- وقال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } [الجن : 18] والنكرة في سياق النهي تدل على العموم، فإما أن تدعو الله وتطلب أيضا من غيره، فتكون دعوت (مع) الله أحدا؛ وإما أن تدعو الله وحده، فتسلم.
والله يُحب للعبد أن يحِب (فيه) و(له)، ويكره للعبد أن يشرِك به فيُحِب (معه) بالتوجه لغيره، كما قال تعالى في وصف المشركين مع آلهتهم: {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ } [البقرة : 165] أي لأنهم دعوا غير الله معه، ولم ينفِ عنهم حبًا لله، فتدبر!

ثالثا:
كلما عظم الكرب كانت الاستغاثة بغير الله، أو دعاؤه، أو سمها ما شئت، بزيارة قبره وتسمية الحاجة عنده أشد شركا، وأعظم اجتراءً على مقام الإلهية، ذلك أن الله تعالى يقول واصفًا المشركين الأوائل: {فإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } [العنكبوت : 65] ولها في الكتاب العزيز نظائر كثيرة، فتأمل وصفه المشركين بالإخلاص في الدعاء حال النازلة، ثم إثباته لشركهم حال النجاة، فاحتج عليهم سبحانه بدعائهم إياه حال الشدة والعسر، على بطلان دعائهم غيره حال الرخاء واليسر، والمعنى أنهم يعودون لما نهوا عنه من دعاء الصالحين، وقصدهم بطلب الحوائج مع كون ما يطلبونه منهم مما لا يقدر عليه إلا الله، إما حال حياتهم، وإما لكونه مقدورًا في الأصل في حياتهم ولكنه غير مقدور لأجل موتهم.
فسل نفسك أخي..هل يكون مخلصا في دعائه من يقول:يا فلان اجلب لي الولد أم يكون مشركا إذ سأل المخلوق ما حقه أن يختص بالخالق"وما أضلنا إلا المجرمون* إذ نسويكم برب العالمين"..وإذا علمت أنه مامن مشرك قط قال: أنا أعدل غير الله بالله..علمت معنى التسوية في الآية


رابعا: تفنيد شبهتين مشهورتين عند من يدعون الصالحين:-
اعتاد أهل الزيغ أن يلبسوا الحق بالباطل، فقالوا: إنما نتوجه للصالحين بالطلب لا اعتقادًا باستقلال نفعهم وضرهم، وإنما لمقامهم عند الله، فنتخذهم وسيلة إلى الرب.
والرد على هذا إذا قصدنا استيفاءه مما يطول ولا يسعنا هنا إلا القصر على رد موجز، وهو يأتلف من جزئين:-

1-بيان أن المشركين كأبي جهل وأضرابه كانوا مقرين بأن الله متفرد بكمال الخلق والتدبير والملك، كما بينه الله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس : 31]

2-وبيان أنهم كانوا مع ذلك يدعون غير الله فلم يعتدّ الله باعترافهم لأن فعلهم ناقضه، وحاصله أنهم أثبتوا نفعا جزئيا لمن يدعونهم، فقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر : 3]
وقالوا: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس : 18] فرد الله عليهم دعواهم بقوله سبحانه: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس : 18]
وذلك عين ما يقوله زوار المقامات اليوم، فهم يحتجون تارة باتخاذهم وسيلة وقربى، وتارة بالشفاعة، ولو قدّر جدلا أنه يمكن تصور إنسان يدعو غير الله بلفظه مع جزمه بنفي الضرر والنفع مطلقا عن الأولياء، وادعى أنه إنما يقصد دعاء الله وحده، وأن ذكر اسم الولي من باب التيمن- مثلا- فحسب، فإن صيغة دعائه -وإن على هذا الفرض الخيالي- لابد مورثته تعلقَ الأسباب بهم وهو يؤول للشرك إذن.
وكذلك فإن اعتقاد هؤلاء بأن الصالحين يوصلون حاجاتهم للمولى عز وجل، يجعل همتهم تنصرف إلى تعظيمهم، والغلو فيهم، حتى يرضى هؤلاء عنهم فيقبلوا التوسّط إلى الله! وهذا عين الشرك أيضا.
وأيضا فإن قناعة المستغيثين بهم أنهم غوث كل مكروب يعني أنهم أحاطوا علما بالحاجات الملقاة إليهم في وقت واحد، ولا يكون ذلك إلا للعليم الخبير، فاشتمل فعلهم على الشرك في الألوهية والربوبية معا.
ثم إن دعوى التوسل بهم إلى الله لفضلهم تنقضها الصيغة المبدوءة بـ«يا» التي للنداء، ثم تعقيبها بخطاب المدعو مباشرة بطلب الحاجة التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى، وبعضهم يتحذلق ويقول: إننا نناديهم ولا ندعوهم! فيقال إن الله قال {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء : 76].
وتنقضها كذلك واقع الحال، فإن المشاهد لأحوال هؤلاء يدرك أنهم يعتقدون تأثيرا بالنفع والضر يختص بهؤلاء المعظمين عندهم، فمن أنكر ذلك مع إصراره على هذا النداء للأموات كمن يقول: "أعبد الله وحده" أثناء سجوده للصنم، والله المستعان.


الشبهة الثانية: قولهم إن المشركين إنما دعوا أصناما، فالجواب باختصار من وجهين:
الأول: أن اللات التي نعى الله عليهم دعاءها ليست إلا علما على رجل صالح كان يلتّ السويق للحجاج، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما؛ فكانوا على التحقيق يدعونه، وقس على اللات غيره كيغوث ويعوق ونسر، سواء بسواء، كما يدعو أهل زماننا موتى الصالحين أو من يظنونهم كذلك.
الثاني أن الآيات التي تقدم ذكرها وغيرها عامة وجلية في بيان أن من دعا غير الله، أو ناداه، فقد اتخذه إلهًا، وإن ادعى عدم ذلك، والقول بتخصيصها بالأصنام تحكم مبناه على اتباع الهوى لاغير، فلا يسعفه علة، ولا يدل عليه معنى، وإليك بيانه باختصار:

قال تعالى : {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون : 117] ولما كان الله تعالى لا معبود بحق سواه، ثبت أن ليس ثَمّ إلهٌ عليه برهان، فكان من يدعو غير الله تعالى متخذًا إلها آخر ولابد، وتأمل إن شئت خاتمة الآية {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}.
ومما يدل على العموم، وأنه غير مختص بالأصنام الحجرية، قوله تعالى: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [فاطر : 14]، هذه الآية نص في كون دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى شرك كما تراه جليًا، وكذلك فيها إشارة إلى أن المدعوين من العقلاء وغيرهم أيضا، وإن كان متعلق الخطاب بالعقلاء أظهر لقوله {يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ}؛ واشتملت أيضا على الإيماء بأن من يصر فيدعو موتى الصالحين، لم يقبل خَبَر الخبير الغيبي، ولا أمره العيني.


بيان: متى تكون الاستعانة أو الاستغاثة بغير الله جائزة:-

قد يشكل هذا الكلام على أقوام فيقال إذا كانت الاستغاثة بغير الله شركا فما حال الغريق الموشك على الهلكة وحوله أناس قد ينقذونه؟
الجواب أن الله تعالى إنما حرم الاستغاثة بغيره فيما جرت العادة أنه لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ولذلك قال عز في علاه: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [فاطر : 14]
أما طلب المعونة والنجدة من الحي بشرط أن تكون في دائرة المقدورات عادة فلا يؤاخذ عليها وليست من الشرك في شيء.


وختاما..
فإن الله أرشدنا لدعائه هو فقال:
{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} [البقرة : 186]، فكل من دعا غيره لم يقنع بقربه تعالى، كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم وقال لحبر الأمة ”إذا سألت فاسأل الله، و إذا استعنت فاستعن بالله“ [رواه الترمذي وقال حسن صحيح].
ثم تفضل علينا سبحانه ببيان المسلك الذي يحبه في دعائه هو، فقال: { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } [الأعراف : 180] فأرشد لطريقة دعائه.
ثم حذر من الوقوع في الشرك به بدعاء غيره فقال سبحانه:{وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس : 106 ، 107].
ثم تحدى من يدعون غيره وتهكم بهم فقال: ‏{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} [الإسراء : 56]
ثم أثبت أن من تلبس بهذا المنكر فقد أشرك لأن دعاء غيره ليس إلا اتخاذه إلها، فقال {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } [النمل : 62]، فإياك أخي ثم إياك أن تقطع حبل الله الممدود إليك بنصب الوسائط بينك وبين الله، وقد وقع في عبادتهم من فعل ذلك، وإن كان يزعم التوصلّ بهم إلى الرب ويسمي فعله التوسلّ، كذلك فعل الذين من قبل فقالوا مثل هذا.


مواضيع ذات صلة
- التوحيد: أهميته ومعناه