التوحيـد (1 / 2): أهميته ومعناه وغايته
    
الخميس 27 / جمادى الأولى / 1430 هـ - الموافق 21 / مايو / 2009 م
المقال باللغة الانجليزية


التوحيـد
أهميته ومعناه وغايته

(جزء 1 من 2)


إعداد: أم عبد الله الميساوي
أُعِدّ لموقع: عقيدة السلف الصالح




التوحيد: أهميته
- هو الغاية من خلق الإنس والجن:
قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات : 56]
- هو أصل دعوة الرسل:
وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء : 25]
- لا يُقبل عمل إلا بالتوحيد
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تبارك وتعالى: ”أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ“ [صحيح مسلم]
قال يحيى بن سلَّام (200 هـ) : ({وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} أي: عدلا؛ وهو لا إله إلا الله {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} لا يقبل العمل إلا ممن قال: لا إله إلا الله، مخلصا من قلبه) (1)
- الجنة مُحرمة على من أشرك بالله
قال الله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة : 72]
- من أشرك حَبِط عمله
وقال سبحانه: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام : 88]
- هو أعظم سبب لمغفرة الذنوب
في الحديث القدسي: ”وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ (2) خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً“ [صحيح مسلم]
وغير ذلك.

التوحيد: لا إله إلا الله
قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُون} [الأنبياء : 25]
قال النبي صلى الله عليه وسلم ”من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله ، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله.“
في رواية : ”من وحد الله...“ ثم ذكر مثله . [صحيح مسلم]

قال عثمان الدارمي (280 هـ) : «وتفسير التوحيد عند الأمة وصوابه قول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له"». (3)
وقال أبو جعفر النحَّاس (338 هـ) : (قوله جل وعز {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} [الصافات : 35] أي: عن توحيد الله عز وجل.) (4)
وقال أبو عبد الله القرطبي (671 هـ) : (و{قل هو الله أحد} فيها التوحيد كله. وبهذا المعنى وقع البيان في قوله عليه السلام لأُبيٍّ. ”أي آية في القرآن أعظم؟“ قال: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}. وإنما كانت أعظم آية لأنها توحيد كلها، كما صار قوله: «أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له» أفضل الذكر، لأنها كلمات حَوَت جميع العلوم في التوحيد.) (5)
وقال ابن كثير (774 هـ) : ({مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ} [يوسف : 38] هذا التوحيد - وهو الإقرار بأنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له) (6)
وقال ابن رجب الحنبلي (795 هـ) : (ولعل من قال: إن المراد بالاستقامة على التوحيد؛ إنما أراد التوحيد الكامل الذي يحرّم صاحبه على النار، وهو تحقيق معنى «لا إله إلا الله» فإن الإِله هو المعبود الذي يُطاع فلا يُعصى؛ خشيةً، وإجلالا، ومهابةً، ومحبةً، ورجاءً، وتوكلا، ودعاءً.) (7)

التوحيد: معناه وغايته عبادة الله وحده
- معنى كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» كما فسرها أهل العلم: (لا معبود بحق أو لا مستحق للعبادة إلا الله).

- من القرآن:
قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة : 31]
وقال سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة : 5 ، 6]
وغيرها من الآيات

- من السنة:
1. قال البخاري: (باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى) وذكر أحاديث منها:
عن معاذ بن جبل قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ”يَا مُعَاذُ أَتَدْرِى مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ ؟ قَالَ: اللَّه وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَتَدْرِى مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ ؟» قَال: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَم. قَال: «أَنْ لاَ يُعَذِّبَهُمْ.“

2. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ:
”إِنَّكَ سَتَأْتِى قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ...“ الحديث . [صحيح البخاري ومسلم]
وفي رواية: ”... فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ ...“ الحديث. [صحيح البخاري ومسلم]
وفي رواية: ”... فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ ...“ الحديث. [صحيح البخاري]
قال ابن حجر العسقلاني في هذه الروايات الثلاث:
(ويُجمع بينها بأن المراد بعبادة الله توحيده وبتوحيده الشهادة له بذلك ولنبيه بالرسالة، ووقعت البداءة بهما لأنهما أصل الدين الذي لا يصح شيء غيرهما إلا بهما.) (8)
وقال في موضع آخر: (ووجه الجمع بينها أن المراد بالعبادة: التوحيد، والمراد بالتوحيد: الإقرار بالشهادتين، والإشارة بقوله ذلك إلى التوحيد، وقوله: « فإذا عرفوا الله » أي عرفوا توحيد الله، والمراد بالمعرفة الإقرار والطواعية فبذلك يجمع بين هذه الألفاظ المختلفة في القصة الواحدة وبالله التوفيق.) (9)

3. قال البيهقي (458 هـ) : (الباب الأول في توحيد الله في عبادته دون سواه) ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم:
”مَنْ وَحَّدَ اللهَ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ.“ (10) [صحيح مسلم]

من أقوال السلف والعلماء:
قال قَتادة (117 هـ/ تابعي) في قوله تعالى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} [الزخرف : 28]: (التوحيد والإخلاص، لا يزال في ذريته من يوحد الله ويعبده.) (11)
قال يحيى بن سلَّام (200 هـ) : (فقال: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} وحدوا الله {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُون} كل من عبد غير الله سبحانه فقد افترى الكذب على الله تعالى لأن الله عز وجل أمر العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا) (12)
قال ابن جرير الطبري (310 هـ) في تفسير قوله تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} [البقرة : 132]: (قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: {ووصى بها}، ووصى بهذه الكلمة. عنى بـ"الكلمة" قوله: {أسلمت لرب العالمين}، وهي "الإسلام" الذي أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو إخلاص العبادة والتوحيد لله، وخضوع القلب والجوارح له.) (13)
قال أبو جعفر النحَّاس (338 هـ) : (روى مَعْمر عن قتادة: قال: {الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل : 60] : لا إله إلا الله.
ورَوى سعيد عن قتادة قال: {الْمَثَلُ الْأَعْلَى}: الإخلاص، والتوحيد.
والمعنيان واحد، أي لله عز وجل التوحيد ونفي كل معبود دونه.) (14)
قال ابن كثير (774 هـ) في تفسيره: (ثم قال تعالى مخبرًا أنه الأحد الصمد، الذي لا إله غيره، فقال: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التغابن : 13] فالأول خَبَرٌ عن التوحيد، ومعناه معنى الطلب، أي: وحدوا الإلهية (17) له، وأخلصوها لديه، وتوكلوا عليه) (18)
وغيرهم كثير، اقتصرنا على هذا القدر للاختصار.

التوحيد: أصل دعوة الرسل أجمعين
جميع الرسل:
قال الله تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء : 25]
{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل : 36]
{إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} [فصلت : 14 ، 15]

أفرادهم:
نوح عليه السلام:
قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [المؤمنون : 23 ، 24]
إبراهيم عليه السلام
{وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت : 16 ، 17]
هود عليه السلام
{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [الأعراف : 65]
{قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأعراف : 70]
صالح عليه السلام
{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف : 73]
شعيب عليه السلام
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف : 85]
يعقوب عليه السلام
{أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة : 133]
عيسى عليه السلام
{وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة : 72 ، 73]
محمد صلى الله عليه وسلم
{قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي} [الزمر : 11 - 14]

من السنة:
عن ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُول: لَمَّا بَعَثَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - مُعَاذًا نَحْوَ الْيَمَنِ قَالَ لَهُ ”إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ ، فَإِذَا صَلُّوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِى أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ“. [صحيح البخاري]

من أقوال السلف والعلماء:
قال قتادة (117 هـ) : (قوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} يقول: سبيلا وسُنّة. والسنن مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحلُّ الله فيها ما يشاء، ويحرِّم ما يشاء بلاءً، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره: التوحيدُ والإخلاصُ لله، الذي جاءت به الرسل.) (19)
قال ابن جرير الطبري (310 هـ) : (يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا يا محمد من قبلك من رسول إلى أمة من الأمم إلا نوحي إليه أنه لا معبود في السماوات والأرض، تصلح العبادة له سواي فاعبدون يقول: فأخلصوا لي العبادة، وأفردوا لي الألوهية.) (20)
قال ابن كثير (774 هـ) : (ثم فسرها بقوله: {أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} لا وَثَنا، ولا صنما، ولا صليبا ولا طاغوتا، ولا نارًا، ولا شيئًا، بل نُفْرِدُ العبادة لله وحده لا شريك له. وهذه دعوة جميع الرسل)
وقال: (جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له.) (21)
وقال: (وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نحن معشر الأنبياء أولاد عَلات ديننا واحد"، يعني: أن المقصود هو عبادة الله وحده لا شريك له بشرائع متنوعة لرسله، كما قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة :48]) (22)
قال الملا علي القاري (1014 هـ) في شرحه للفقه الأكبر (ص49) : (وقد أعرض الإمام عن بحث الوجود اكتفاءً بما هو ظاهر في مقام الشهود؛ ففي التنزيل: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...} [إبراهيم : 10]، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ...} [العنكبوت : 61]، فوجود الحق ثابت في فطرة الخلق كما يشير إليه قوله سبحانه وتعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم : 30] ، ويومئ إليه حديث «كل مولود يولد على فطرة الإسلام» وإنما جاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لبيان التوحيد وتبيان التفريد، ولذا أطبقت كلمتهم وأجمعت حجتهم على كلمة: لا إله إلا الله، ولم يُؤمَروا بأن يَأمُروا أهل ملتهم بأن يقولوا: الله موجود، بل قصدوا إظهار أن غيره ليس بمعبود ردا لما توهموا وتخيلوا حيث قالوا: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس : 18] و{ا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر : 3]، على أن التوحيد يفيد الوجود مع مزيد التأييد.)


الجزء (2) : ما يتضمنه التوحيد


للسـؤال أو التعليـق على المقال




(1) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين – وهو مختصر لتفسير يحيى بن سلام (ج3 ص415)
(2) بقراب الأرض: أَي بما يُقارِبُ مِلأَها (لسان العرب، مادة: قرب).
(3) نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد (ج1 ص152)
(4) معاني القرآن الكريم لأبي جعفر النحاس (ج6 ص23)
(5) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (ج1 ص171)
(6) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (ج4 ص389)
(7) جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي (ج2 ص605)
(8) فتح الباري (ج3 ص419)
(9) فتح الباري (ج13 ص367)
(10) الأربعون الصغرى للبيهقي - (ص23(
(11) تفسير القرآن لعبد الرزاق الصنعاني (ج2 ص196)، وجامع البيان للطبري (ج21 ص589).
(12) تفسير القرآن العزيز لابن أبى زمنين (ج2 ص295)
(13) جامع البيان (ج3 ص93-94)
(14) معاني القرآن (ج4 ص77)
(17) الإلاهَة ، والأُلوهَة ، والأُلُوهِيَّةُ: العبادة. (المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده - 4 / 358)
(18) تفسير القرآن العظيم (ج8 ص138)
(19) جامع البيان للطبري (ج10 ص385)
(20) جامع البيان (ج18 ص427)
(21) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (ج2 ص55-56) و(ج3 ص382)
(22) تفسير القرآن العظيم (ج5 ص371)