عبد الرحمن بن مهدي (ت. 198 هـ)
    
الثلاثاء 20 / جمادى الآخرة / 1434 هـ - الموافق 30 / أبريل / 2013 م


عبد الرحمن بن مهدي
(135 – 198 هـ)


إعداد: أم عبد الله الميساوي
لـ« موقع عقيدة السلف الصالح »



الاسم: عبد الرحمن بن مهدي بن حسان البصري.
الكنية: أبو سعيد
المذهب الفقهي: مالكي؛ فقد لازم الإمام مالك فأخذ عنه كثيرا من الفقه والحديث وعلم الرجال، وله معه حكايات.(1) قال ابن المديني: كان بعد مالك بن أنسٍ عبدُ الرحمن بن مهدي يذهب مذهبهم -يعني مذهب تابعي أهل المدينة- ويقتدي بطريقتهم. (2)
مولده: ولد سنة خمس وثلاثين ومائة (135هـ)، ويقال سنة ست وثلاثين ومائة (136هـ) في شهر المحرم. (3)



شيوخه: (4)
- سفيان الثوري
- مالك بن أنس
- عبد الله بن المبارك
- حماد بن زيد
- حماد بن سلمة
- سفيان بن عيينة
- عبد العزيز بن عبد الله الماجشون
وغيرهم كثير.



تلاميذه: (5)
- أحمد بن إبراهيم الدورقي وأخوه يعقوب
- أحمد بن حنبل
- إسحاق بن راهويه
- أبو بكر بن أبي شيبة وأخوه عثمان
- عبد الرحمن بن عمر بن رستة
- أبو عبيد القاسم بن سلام
- يحيى بن معين
- علي بن المديني
- محمد بن يحيى الذهلي
وغيرهم كثير



سيرته وأقوال النقاد فيه:

قال ابن سعد: «عبد الرحمن بن مهدي ... كان ثقة كثير الحديث.» (6)
قال جرير الرازي: «ما رأيت مثل عبد الرحمن بن مهدي» ووصف عنه بصرا بالحديث وحفظا.» (7)
قال علي ابن المديني: «لو أخذت فأحلفت بين الركن والمقام لحلفت بالله عز وجل أني لم أر أحدا قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي.» (8)
قال محمد بن أبي بكر المقدمي: «ما رأيت أحدا أتقن لما سمع، ولما لم يسمع، وحديث الناس، من عبد الرحمن بن مهدي.» (9)

وذكر الإمام أحمد ابن حنبل ابن مهدي فقال: «كان ثقة، خيارًا، من معادن الصدق، صالح، مسلم.» (10)
وقال: «قدِم علينا عبد الرحمن بن مهدي سنة ثمانين، وأبو بكر ها هنا -يعني ابن عياش- وقد خَضَب وهو ابن خمس وأربعين سنة، وكنتُ أراه في مسجد الجامع، ثم قدِم بعدُ فأتيناه ولزمناه وكتبتُ عنه ها هنا نحوا من ستمائة أو سبعمائة.»( 11)
وقال: «ما رأيت بالبصرة مثل يحيى بن سعيد، وبعده عبد الرحمن، وعبد الرحمن أفقه الرجلين.» (12)

قال أبو حاتم الرازي: «عبد الرحمن بن مهدي أثبت أصحاب حماد بن زيد، وهو إمام ثقة، أثبت من يحيى بن سعيد، وأتقن من وكيع.» (13)
قال القارئ أيوب المتوكل: « كان حماد بن زيد إذا نظر إلى عبد الرحمن بن مهدي في مجلسه تهلل وجهه.» (14)
وقال: «كنا إذا أردنا أن ننظُر إلى الدين والدنيا ذهبنا إلى دار عبد الرحمن بن مهدي.» (15)

قال خالد بن خداش: كنت عند حماد أنا وخويل، فجاء عبد الرحمن بن مهدي فجلس ثم قام؛ فقال حماد (بن زيد) : «هذا من الذين لو أدركهم أيوب (السختياني) لأكرمهم.» (16)
وسُئل حماد بن زيد عن مسألة فقال: «أين ابن مهدي؟ من لهذا إلا ابن مهدي»؛ فأقبل عبد الرحمن فسأله عن ذلك فأجاب. فلما قام من عنده قال (حماد بن زيد) : «هذا سيد -أو فتى- البصرة منذ ثلاثين سنة أو نحو هذا.» (17)

وقال ابن مهدي: «كنا في جنازة فيها عبيد الله بن الحسن العنبري، وهو يؤمئذ قاضي البصرة، وموضعه في قومه وقدره عند الناس، فتكلم في شيء فأخطأ؛ فقلتُ -وأنا يؤمئذ حدث-: ليس هكذا يا أبي عليك بالأثر. فتزايد على الناس. فقال عبيد الله: دعوه، وكيف هو؟ فأخبرته فقال: صدقت يا غلام، إذًا أَرجعُ إلى قولك وأنا صاغر.» (18)

قال ابن حبان: «عبد الرحمن بن مهدي ... وكان من الحفاظ المتقنين وأهل الورع في الدين ممن حفظ وجمع وتفقه وصنف وحدث وأبى الرواية إلا عن الثقات.» (19)
قال الخطيب البغدادي عن ابن مهدي: «وهو بصري قدم بغداد وحدث بها وكان من الربانيين في العلم وأحد المذكورين بالحفظ وممن برع في معرفة الأثر وطرق الروايات وأحوال الشيوخ.» (20)
قال محمد بن النعمان بن عبد السلام: قال معاذ بن معاذ: « ليس بالبصرة أحد يصلح للقضاء إلا رجل واحد، قلتُ: من هو؟ قال: عبد الرحمن بن مهدي، وله عيب. قلتُ: ما هو؟ قال: ليس له عَشيرة، إن حكم على رجل من الكبار منعوه منه.» (21)
قال قتيبة بن سعيد: «هذا قول الأئمة المأخوذ في الإسلام والسنة والرضا بقضاء الله، والاستسلام لأمره ...» إلى أن قال: «إذا رأيت الرجل يحب سفيان الثورة ومالك بن أنس ...» وذكر عددا من أئمة السلف منهم عبـد الرحمن بن مهـدي ثم قال: «فاعلم أنه على الطريق، وإذا رأيت الرجل يقول هؤلاء "الشكاك" فاحذروه فإنه على غير الطريق، وإذا قال "المشبهة" فاحذروه فإنه جهمي، وإذا قال "المجبرة" فاحذروه فإنه قدري». (22)

قال مهدي ابن حسان والد عبد الرحمن بن مهدي: «كان عبد الرحمن يكون عند سفيان عشرة أيام، خمسة عشر يوما، بالليل والنهار، فإذا جاءنا ساعة جاء رسول سفيان في اثره فيقول: سفيان يدعوك، فيدعنا ويذهب إليه.» (23)

وذُكر لعبد الرحمن بن مهدي مرة أن رجلا من أهل المسجد من خزاعة كأنه وقع فيه، فإذا الرجل الذي ذكروه أقبل، فسلم عليه ابن مهدي ورحب به وقربه وأجلسه إلى جنبه وصرف الناس عنه؛ فقال له عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني: أبا سعيد أما تعرف الرجل الذي أجلسته إلى جنبك هو الذي وقع فيك ونال منك؟ فقال ابن مهدي: بسم الله الرحمن الرحيم {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } [فصلت: 34]. (24)
قال عبد الرحمن بن مهدي: «لزمت مالكا حتى ملّني، فقلت له يوما -أريد أن أستعطفه عليّ- : قد غبتُ عن أهلي هذه الغيبة الطويلة، وما أدري ماذا حدث بهم بعدي.» فقال: «يا بني! وأنا بالقرب من أهلي، ولا أدري ماذا حدث بهم منذُ خرجت.» (25)
وقال ابن مهدي: «لو استقبلت من امري ما استدبرت لكتبت تفسير كل حديث إلى جنبه ولاتيت المدينة حتى انظر في كتب قوم قد سمعت منهم.» (26)
وكان عبد الرحمن بن مهدي يختم القرآن في كل ليلتين؛ كان ورده في كل ليلة نصف القرآن. (27)
قال ابن مهدي: «لا يجوز أن يكون الرجل إماما حتى يعلم ما يصح مما لا يصح، وحتى لا يحتج بكل شيء، وحتى يعلم بمخارج العلم.» (28)
وجاء رجل إلى عبد الرحمن بن مهدي فقال: يا أبا سعيد، إنك تقول: هذا ضعيف، وهذا قوي، وهذا لا يصح؛ فعمّ تقول ذاك ؟ فقال عبد الرحمن: «لو أتيت الناقد، فأريته دراهم، فقال: هذا جيد، وهذا ستوق، وهذا نبهرج(29)، أكنت تسأله عم ذاك أو كنت تسلم الأمر إليه؟» فقال: بل كنت أسلم الأمر إليه. فقال عبد الرحمن: »هذا كذاك، هذا بطول المجالسة والمناظرة والمذاكرة والعلم به.» قال علي بن المديني: فذكرته لبعض أصحابنا، فقال: أجاب جواب رجل عالم. (30)

وقال ابن مهدي: «كان يُقال إذا لقي الرجل الرجل فوقه في العلم كان يوم غنيمة، وإذا لقي من هو مثله دارسه وتعلم منه، وإذا لقي من هو دونه تواضع له وعلمه، ولا يكون إمام في العلم من يحدث بكل ما سمع، ولا يكون إماما في العلم من يحدث عن كل أحد، ولا يكون إماما في العلم من يحدث بالشاذ من العلم والحفظ والإتقان.» (31)
وقال: «الرجل إلى العلم أحوج منه إلى الأكل والشرب.» (32)
وقال: «لولا أني أكره أن يعصي الله لتمنيت أن لا يبقى في هذا المصر أحد إلا وقع في واغتابني، وأي شيء أهنأ من حسنة يجدها الرجل في صحيفته يوم القيامة يعملها ولم يعلم بها.» (33)



وفاته:

توفي بالبصرة سنة ثمان وتسعين ومائة (198هـ) وعمره ثلاث وستون سنة. كانت وفاته بعد وفاة يحيى بن سعيد القطان بأربعة أشهر؛ وفاة يحيى بن سعيد كانت في شهر صفر، ووفاة ابن مهدي في جمادى الآخرة. وبين وفاته ووفاة سفيان بن عيينة ثمانية أيام، توفي ابن عيينة في غرة(34) رجب، رحمهم الله.(35) وكانت له ذرية منهم إبراهيم وموسى ويحيى.



بعض أقواله في بعض المسائل العقدية:

قال عبد الرحمن بن مهدي لفتى من ولد جعفر بن سليمان: «مكانك»، فقعد حتى تفرق الناس. ثم قال ابن مهدي: «تعرف ما في هذه الكورة من الأهواء والاختلاف وكل ذلك يجري مني على بال رضي إلا أمرُك وما بلغني. فإن الأمر لا يزال هينا ما لم يصر إليكم، يعني السلطان، فإذا صار إليكم جل وعظم.» فقال (الغلام) : يا أبا سعيد وما ذاك ؟
قال: «بلغني أنك تتكلم في الرب تبارك وتعالى وتصفه وتشبهه.»
فقال الغلام: نعم. فأخذ يتكلم في الصفة (أي في كيفية صفات الله).
فقال: «رُويدك يا بُني حتى نتكلم أول شيء في المخلوق، فإذا عجزنا عن المخلوقات فنحن عن الخالق اعجز واعجز. أخبرني عن حديث حدثنيه شعبة عن الشيباني قال: سمعت زرًا قال: قال عبد الله في قوله: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى}»
قال: رأى جبريل له ستمائة جناح؟ قال: نعم. فعرف الحديث.
فقال عبد الرحمن: «صِف لي خلقًا من خلق الله له ستمائة جناح.» فبقي الغلام ينظر إليه.
فقال عبد الرحمن: «يا بُني فإني أُهون عليك المسألة وأضع عنك خمس مائة وسبعة وتسعين (جناحًا)، صِف لي خلقا بثلاثة أجنحة، ركب الجناح الثالث منه موضعًا غير الموضعين اللذين ركبهما الله حتى أعلم.»
فقال: يا أبا سعيد، نحن قد عجزنا عن صفة المخلوق ونحن عن صفة الخالق أعجز وأعجز، فأشهدك إني قد رجعت عن ذلك واستغفر الله. (36)

قال أبو بكر المستملي: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: «الإيمان قول وعمل ؟» قال: «نعم.» قلت: «يزيد وينقص؟» قال : «يتفاضل، كلمة أحسن من كلمة». (37)
وذكر عند عبدالرحمن بن مهدي قوم من أهل البدع واجتهادهم في العبادة فقال: «لا يقبل الله إلا ما كان على الأمر والسنة» ثم قرأ {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم} [الحديد:27] فلم يقبل ذلك منهم ووبخهم عليه، ثم قال: «إلزم الطريق والسنة». (38)




(1) "الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب" لابن فرحون (ص238)؛ تحقيق: مأمون الجنان، دار الكتب العلمية.
(2) "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (1/252)؛ دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى.
(3) "التاريخ الكبير" للبخاري (5/354)؛ دار الكتب العلمية – بيروت.
(4) "التاريخ الكبير" للبخاري (5/354). و"تاريخ مدينة السلام" المعروف بـ"تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي (11/512)؛ تحقيق: بشار عواد معروف؛ دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى. و"تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لجمال الدين المزي (17/431-433)؛ تحقيق: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية.
(5) "تاريخ مدينة السلام" للخطيب البغدادي (11/512). و"تهذيب الكمال في أسماء الرجال" للمزي (17/433-435)
(6) كتاب الطبقات الكبير لابن سعد (9/299)؛ تحقيق: علي محمد عمر، مكتبة الخانجي بالقاهرة
(7) "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (1/251). و"تاريخ أسماء الثقات" لابن شاهين (ص13)؛ تحقيق: صبحي السامرائي، الدار السلفية، الطبعة الأولى.
(8) "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (1/252). و"تاريخ مدينة السلام" للخطيب البغدادي (11/519).
(9) "الجرح والتعديل" (1/253)
(10) "الجرح والتعديل" (1/254)
(11) "تاريخ مدينة السلام" (11/514)
(12) "تاريخ مدينة السلام" (11/515)
(13) "الجرح والتعديل" (1/255)
(14) "الجرح والتعديل" (1/256)
(15) "تاريخ مدينة السلام" (11/522)
(16) "حلية الأولياء" (9/5)
(17) "حلية الأولياء" (9/5)
(18) "حلية الأولياء" (9/6)
(19) "كتاب الثقات" لابن حبان (8/373)؛ دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد، الطبعة الأولى.
(20) "تاريخ مدينة السلام" (11/513)
(21) "تاريخ مدينة السلام" (11/516)
(22) "شعار أصحاب الحديث" لأبي أحمد الحاكم (34-37)؛ تحقيق: السيد صبحي السامرائي، مكتبة الرشد ناشرون، الطبعة الأولى.
(23) "الجرح والتعديل" (1/256)
(24) "حلية الأولياء" (9/12)
(25) "الإرشاد في معرفة علماء الحديث" لأبي يعلى الخليلي (1/238)؛ تحقيق محمد إدريس، مكتبة الرشد- الرياض، الطبعة الأولى 1409هـ - 1989م
(26) "الجرح والتعديل" (1/262)
(27) "تاريخ مدينة السلام" (11/522)
(28) "حلية الأولياء" (9/3)
(29) أي: الرديء
(30) "تهذيب الكمال" للمزي (17/439). و"الكامل في ضعفاء الرجال" لابن عدي الجرجاني (1109)؛ تحقيق د. سهيل زكار؛ دار الفكر - بيروت؛ الطبعة الثالثة 1409هـ - 1989م
(31) "حلية الأولياء" (9/4)
(32) "حلية الأولياء" (9/4)
(33) "حلية الأولياء" (9/11)
(34) يقال لثلاثِ ليالٍ من أوّل الشهر غُرّة [معجم مقاييس اللغة لابن فارس (4/ 382)]
(35) انظر: كتاب الطبقات الكبير لابن سعد (9/299)؛ تحقيق: علي عمر. و"رجال صحيح البخاري" المسمى "الهداية والإرشاد" لأبي نصر الكلاباذي (1/455)؛ تحقيق: عبد الله الليثي، دار المعرفة -بيروت؛ الطبعة الأولى.
(36) "شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي" (3/530 و531) رواها من طريق ابن أبي حاتم في "الرد على الجهمية" عن أبيه أبي حاتم الرازي عن عبد الرحمن بن عمر رسته عن ابن مهدي. ورواه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء" (9/8) بسند آخر إلى عبد الرحمن بن عمر رسته. ونقله الذهبي في سير أعلام النبلاء (9/196)
(37) "السنة" لأبي بكر الخلال (3/580)، تحقيق عطية الزهراني، دار الراية- الرياض، الطبعة الأولى 1410هـ - 1989م
(38) "حلية الأولياء" لأبي نعيم الأصبهاني (9/8)