"آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله"
    
السبت 20 / صفر / 1433 هـ - الموافق 14 / يناير / 2012 م

الأثر المروي عن الشافعي رحمه الله:

"آمنت بالله وبما جاء عن الله، على مراد الله. وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله."



مقصود الشافعي رحمه الله هو الإيمان بنصوص الشريعة وتفسيرها على مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا مُراد النفس والهوى، والتسليم للنصوص تسليمًا مطلقًا على كل الحالات؛ فإن فهِم وعلِم مُراد الله عز وجل، ومُراد رسوله صلى الله عليه وسلم، فعليه أن يُسلّم لذلك المعنى المراد تسليما كاملا دون ردّ أو إنكار أو اعتراض، ودون زيادة أو نقص أو تحريف.
وإن جَهِل المعنى المُراد من النص، لقصورٍ في الفهم عنده، أو لإشكال لديه لم يعرف جوابه، فإن عليه أن يعتقد بأن مُراد الله ومُراد رسوله صلى الله عليه وسلم الذي يجهله هو الحق، ويُؤمن به، حتى إذا عَلِم المُراد فيما بعد، لم يجد في نفسه حَرَجًا من قبوله والتسليم له.
فسواءٌ تبيّن له مُراد الله ومُراد رسوله صلى الله عليه وسلم، أم لم يتبيّن له، فعليه التسليم له تسليما كاملا؛ فلا ينكره، ولا يزيد عليه ولا ينقص منه، ولا يحرّفه، ولا يفسره بما يمليه عليه عقله المجرد ونفسه المتبعة للهوى؛ فيكون ممن اتبع الظن وما تهوى الأنفس واعترض بظنونه وأوهامه على ما لم يبلغه علمه.
بل الواجب عليه أن يؤمن بما جاء عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على مراد الله ورسوله.

ومعرفة مُراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم تكون بطريقين:

1. أن يكون النص واضحا بينًا مُحكمًا غير مُحتاج لنص آخر ليتبين معناه، فيُعرف مُراد الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- منه من ظاهره؛ لأن الله عز وجل يُخاطب الناس بالمعنى الذي يفهمونه ويعقلونه عند أول قراءتهم له دون تكلّف، وذلك هو المعنى الظاهر؛ فالقرآن أُنزل هداية للناس، وأُرسل النبي صلى الله عليه وسلم مُبينا لهذا الهدى {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } [النحل: 44] فلا يصح أن يكون صعب الفهم فضلا عن أن يكون مُمتنع الفهم !
ومن أمثلة النص البيّن المُحكم قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } [آل عمران: 2]
وقوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]
وقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]

2. أن يكون النص مُتشابها، أي محتاجا إلى ما يبيّن معناه، فيكون هناك نصٌ آخر يُبين مُراد الله منه، فيُردّ النص المتشابه إلى النص المُحكَم المُبيّن، ويُفسر به، حتى يُعرف مراد الله عز وجل ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم.
مثال النص المتشابه: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 14]
هذه الآية مطلقة قُيدت بالآية المُحكَمة: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]
فبرَدّنا الآية الأولى للآية الثانية يتضح مُراد الله تعالى، وهو أن صاحب المعاصي التي هي دون الشرك تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر الله. ولو أن القارئ للآية الأولى اقتصر في فهمها على ظاهرها وأن مطلق المعصية وتعدي الحدود موجب للخلود في النار، لضلّ وانحرف عن مُراد الله عز وجل. وهذا ما حصل لبعض الفرق التي غَلَت في هذه المسألة؛ فكفّرت مُرتكب الكبيرة دون الشرك بالله عز وجل، وجعلته من أصحاب النار المخلدين فيها.


أم عبد الله الميساوي
موقع عقيدة السلف الصالح