هل قول الإمام مالك (وكيف عنه مرفوع) يعني أنه ليس لصفات الله كيفية؟
    
الأحد 16 / صفر / 1431 هـ - الموافق 31 / يناير / 2010 م


هل قول الإمام مالك (والكيف غير معقول) و(كيف عنه مرفوع) يعني أنه ليس لصفات الله كيفية ؟


إعداد: أم عبد الله الميساوي
أُعِدّ لموقع:
عقيدة السلف الصالح



الشبهة:
أصح الروايات عن الإمام مالك في مسألة الاستواء هو قوله لمن سأله ({الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟) :
«الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه، ولا يقال: كيفَ، وكيف عنه مرفوع، وأنت رجل سوء صاحب بدعة أخرجوه، قال: فأُخرج»
وقوله: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة»
وسبب حكمه على السائل بأنه مبتدع هو لسؤاله عن الكيف والله مُنزه عن الكيف، فليس لذاته ولا صفاته كيفية، والدليل على ذلك هو قول الإمام مالك (والكيف غير معقول) أي يستحيل على الله تعالى الكيف أو لا يصح عقلا أن يكون لصفات الله كيفية، ومما يؤكد هذا المعنى هو قوله (كيف عنه مرفوع).

أما قول الذين يثبتون أن لصفات الله كيفية ولكن يقولون بأنها مجهولة، بأن الإمام مالك حكم على السائل بالابتداع لأنه سأل عن الكيفية وهو أمر غيبي، فإن السؤال الذى يترتب: إذا سأل السائل عن شئ موجود لكنه مجهول هل يُحكم عليه بأنه مبتدع ؟
ننظر فى كتاب الله ونرى تفصيلا هل حكم الله او نبيه عن الذى يسأل عن المجهول بأنه مبتدع ؟
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة : 189]
{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة : 219]
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} [الأعراف : 187]
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء : 85]
فمن سياق الأيات يتبين أن السائل عن المجهول لا يُحكم بأنه مُبتدع
إنما حكم الإمام مالك على السائل بأنه مبتدع لأنه لا يوجد كيف لله تعالى




الجـواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد
فأما ما يتعلق بالآيات المذكورة، فإن تلك الأسئلة سُئلت في وقت نزول الوحي، والسؤال كان مُوجهًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أرسله الله عز وجل ليبين للناس ما يحتاجونه من أمور دينهم، فهم سألوا من يَنزل عليه الوحي فيُبين له جواب أسئلتهم.
ولكن بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي، فلا سبيل لمعرفة الأمور الغيبية مما لم يُطلعنا الله عليه، ولا أخبرنا به رسوله صلى الله عليه وسلم، والسؤال عنه عبثٌ وتجاوُزٌ وبِدعة، لأنه لا يمكن معرفة ذلك إلا بالوحي، والوحي قد انقطع.

أما فيما يتعلق بالأثر المشهور عن الإمام مالك رحمه الله، فالجواب عليه:

1. قوله رحمه الله: «الكيف غير معقول» يعني أن الكيف مجهول (غير معلوم)، فـ"العقل" في اللغة هو نقيض الجهل.
قال الخليل الفراهيدي: (العَقْل : نقيض الجَهْل) (1)
قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [الحجرات : 4]
وهو أيضا بمعنى الفهم: قال ابن سيده: (وعَقَلَ الشيءَ يَعْقِله عَقْلا : فَهِمَه. (2)
قال الله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا..} [الحج : 46]
وقال سبحانه: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت : 43]

والتفسير الذي ذكرناه هو ما فهمه مجموعة من الأئمة ممن جاءوا بعد الإمام مالك عند روايتهم لجوابه، حيث أن بعضهم نقل الرواية بالمعنى، ومن هؤلاء الأئمة:
- أبو عثمان الصابوني الشافعي (ت.449 هـ) في وصيته : (قال إمام المسلمين في عصره أبو عبد الله مالك بن أنس رضي الله عنه في جواب من سأله عن كيفية الاستواء: "الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة وأظنك زنديقا أخرجوه من المسجد.") (3)
- أبو بكر ابن العربي المالكي (ت. 543 هـ) عند شرحه لحديثٍ في الصفات في سنن الترمذي، قال: (ومذهب مالك رحمه الله أن كل حديث منها معلوم المعنى، ولذلك قال للذي سأله: "الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة".) (4)
- أبو القاسم إسماعيل الأصبهاني الشافعي (ت. 535 هـ) قال: (قال أهل السنة : الإيمان بقوله تعالى : {الرحمن على العرش استوى} واجب ، والخوض فيه بالتأويل بدعة .... ومدح الراسخين في العلم بأنهم يؤمنون بمثل هذه الآيات، ولا يخوضون في علم كيفيتها، ولهذا قال مالك بن أنس رحمه الله عليه حين سُئل عن قوله: {الرحمن على العرش استوى} قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.) (5)
- ابن قدامة المقدسي الحنبلي (ت. 620 هـ) قال: (وقولهم: "الكيف غير معقول" لأنه لم يَرِد به توقيف، ولا سبيل إلى معرفته بغير توقيف.) (6)
- أبو عبد الله القرطبي المالكي (ت. 671 هـ) قال: (ولم يُنكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقةً. وخَصَّ العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تُعلم حقيقته. قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم - يعني في اللغة – والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة) (7)
- الذهبي (ت. 748 هـ) قال: (وصح أيضًا عن مالك أنه قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.) (8)
وقال: (هذا ثابت عن مالك، وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة أن كيفية الإستواء لا نعقلها، بل نجهلها.) (9)
- قال الشاطبي المالكي (ت. 790 هـ) : (ومثل رده بالعلم جوابه لمن سأله في قوله : "الرحمن على العرش استوى" كيف استوى ؟ فقال له : الاستواء معلوم والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة. وأراك صاحب بدعة. ثُم أمر بإخراج السائل.) (10)

ويُمكن أن يُقال بأن قوله: "الكيف غير معقول" يتضمن أيضا معنى: لا تبلغه عقولنا ولا يصل إليه إدراكنا، فقد ورد أثرٌ صحيح عن أحد أئمة السلف بأنه بلغه أن غلامًا يصِف (يُكيّف) ويشبه صفات الله عز وجل، فبيّن له بالحجة العقلية أننا نعجز عن إدراك كيفية صفة المخلوق، فمن باب أولى أن نعجز عن إدراك كيفية صفات الخالق عز وجل.
قال عبد الرحمن بن مهدي (ت. 198 هـ) لفتى من ولد جعفر بن سليمان: «مكانك»، فقعد حتى تفرق الناس. ثم قال ابن مهدي: « تعرف ما في هذه الكورة من الأهواء والاختلاف وكل ذلك يجري مني على بال رضي إلا أمرُك وما بلغني. فإن الأمر لا يزال هينا ما لم يصر إليكم، يعني السلطان، فإذا صار إليكم جل وعظم.» فقال (الغلام) : يا أبا سعيد وما ذاك ؟
قال: «بلغني أنك تتكلم في الرب تبارك وتعالى وتصفه وتشبهه.» فقال الغلام: نعم. فأخذ يتكلم في الصفة.
فقال: « رُويدك يا بُني حتى نتكلم أول شيء في المخلوق، فإذا عجزنا عن المخلوقات فنحن عن الخالق اعجز واعجز. أخبرني عن حديث حدثنيه شعبة عن الشيباني قال: سمعت زرًا قال: قال عبد الله في قوله: {لقد رأى من آيات ربه الكبرى}
قال: رأى جبريل له ستمائة جناح؟
قال: نعم. فعرف الحديث. فقال عبد الرحمن: «صِف لي خلقًا من خلق الله له ستمائة جناح.» فبقي الغلام ينظر إليه.
فقال: « يا بُني فإني أُهون عليك المسألة واضع عنك خمس مائة وسبعة وتسعين، صِف لي خلقا بثلاثة أجنحة، ركب الجناح الثالث منه موضعًا غير الموضعين اللذين ركبهما الله حتى أعلم.»
فقال (الغلام) : يا أبا سعيد (أي ابن مهدي)، نحن قد عجزنا عن صفة المخلوق ونحن عن صفة الخالق أعجز وأعجز، فأشهدك إني قد رجعت عن ذلك واستغفر الله. (11)


أما القول بأن معناها (يستحيل) أو (لا يصح عقلا)، فإنه مُناقض لما جاء عن السلف الصالح في مسألة الكيفية، بأننا نجهل كيفية صفاته وليس أنه ليس لصفات الله كيف.
مِن أقوال السلف وأئمة السنة في مسألة الكيف:
- قال عبد العزيز بن عبد الله الماجشون (ت. 164 هـ) : «إنما أمروا بالنظر والتفكر فيا خلق، وإنما يقال: كيفَ؟ لمن لم يكن مرة، ثم كان، أما من لا يحول ولم يزل، وليس له مثل، فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو (12)
- قال أبو سعيد عثمان الدارمي (ت. 280 هـ) : «فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب تبارك وتعالى في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، لا ينكرها منهم أحد ولا يمتنع من روايتها، حتى ظهرت هذه العصابة (الجهمية) فعارضت آثار رسول الله برد، وتشمروا لدفعها بجد فقالوا: "كيف نزوله هذا؟" قلنا: لم نُكلف معرفة كيفية نزوله في ديننا ولا تعقله قلوبنا، وليس كمثله شيء من خلقه فنشبه منه فعلا أو صفة بفعالهم وصفتهم.» (13)
- قال أبو بكر الإسماعيلي (ت. 371 هـ) في اعتقاد أصحاب الحديث – أهل السنة والجماعة: "وأنه عز وجل استوى على العرش بلا كيف، فإن الله تعالى أنهى إلى أنه استوى على العرش، ولم يذكُر كيف كان استواؤه." (14)
وغيرها مما تم نقله في مقال: "معنى قول السلف (بلا كيفَ)"


وقد أجاب الإمام أبو جعفر الترمذي الشافعي(15) (ت. 295 هـ) بجواب مُشابه لما أجاب به الإمام مالك، عندما سُئل عن صفة النزول:
قال أحمد بن عثمان: حضرتُ عند أبي جعفر الترمذي فسأله سائل عن حديث النبي صلى الله عليه و سلم ”إن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا“ فالنزول كيف يكون؟ يبقى فوقه علو؟
فقال أبو جعفر الترمذي: «النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.» (16) السند رواته ثقات.


2. قول الإمام مالك رحمه الله: «الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه، ولا يقال: كيفَ ؟، وكيف عنه مرفوع، وأنت رجل سوء صاحب بدعة أخرجوه، قال: فأُخرج» (17)

وهذا الجواب مشابه لعدد من آثار السلف الصالح، بأنه لا يُقال: «كيفَ ؟ » لصفات الله عز وجل، وذلك لأن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم لم يُخبرانا عن كيفية صفاته، فلا يجوز السؤال عن شيء لم يصلنا علمه وليس هناك سبيل لمعرفته إلا عن الله عز وجل ورسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال الإمام مالك: « وكيفَ عنه مرفوع » أي أنه لا يُسال «كيفَ؟» في صفات الله لأنه لا سبيل لمعرفته والوحي قد انقطع.
والقول بأن معناها أنه ليس لصفات الله كيف خطأ، لأنه قال "وكيفَ" عنه مرفوع، ولم يقل و«الـكيـفُ» (بلام التعريف) عنه مرفوع.



للسـؤال أو التعليـق على المقـال




مواضيع ذات صلة
- عقيدة السلف في الصفات: قولهـم « بـلا كيف»
- عقيدة السلف في الصفات: قولهـم « أمروها كما جاءت »





(1) كتاب العين للفراهيدي (ج1 ص159)
(2) المحكم والمُحيط الأعظم (ج1 ص205)
(3) طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (ج4 ص287)
(4) عارضة الأحوذي شرح الترمذي لابن العربي (ج3 ص166)
(5) الحجة في بيان المحجة (ج2 ص257)
(6) ذم التأويل لابن قدامة
(7) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (ج9 ص239)
(8) تذكرة الحفاظ للذهبي (ج1 ص155)
(9) العلو للعلي الغفار للذهبي (ص139)
(10) الاعتصام للشاطبي (ج1 ص226)
(11) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (ج3 ص530 و531) رواها من طريق ابن أبي حاتم في "الرد على الجهمية" عن أبيه أبي حاتم الرازي عن عبد الرحمن بن عمر رسته عن ابن مهدي. ورواه أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء" (ج9 ص8) بسند آخر إلى عبد الرحمن بن عمر رسته. ونقله الذهبي في سير أعلام النبلاء (ج9 ص196) و تاريخ الإسلام (ج13 ص284).
(12) سير أعلام النبلاء للذهبي (ج7 ص311 و312) بسنده، ورواها أيضا في كتابه "العلو للعلي الغفار" (ص141) وصححه؛ ورواها ابن بطة بسنده في "الإبانة الكبرى" له.
(13) الرد على الجهمية للدارمي (ص79)
(14) اعتقاد أهل السنة لأبي بكر الإسماعيلي (ص36)
(15) قال الخطيب البغدادي عنه: وكان ثقة من أهل العلم والفضل والزهد في الدنيا... ولم يك للشافعيين بالعراق أريس منه ولا أشد ورعا وكان من أهل التقلل في المطعم على حال عظيمة فقرا وورعا وصبرا على الفقر. [تاريخ بغداد للخطيب (ج2 ص233)]، وقال الدارقطني عنه: ثقة مأمون ناسك [سؤالات الحاكم للدارقطني ص149]
(16) تاريخ مدينة السلام (بغداد) للخطيب البغدادي (ج2 ص234) بسنده، والسند رواته ثقات.
(17) الأسماء والصفات للبيهقي (ج2 ص305)



صفحات الموقع

آخر المقالات

قائمة الأقسام الرئيسية

نموذج البحث



  

حقوق الطبع والنشر محفوظة لكل مسلم 1430 ﮬ - 2009 م